كتب – صلاح الدين عبدالله

«الأسلوب والانسجام والإيقاع الجيد يعتمد على البساطة».. هكذا تقول الحكمة.. النقاء طبيعة النفوس الطيبة، الحياة جميلة لدى الرجل فى بساطتها، هكذا انطباعى.. الراحة ثمرة القناعة، والمحبة نتاج التواضع، العقل الواعى قادر على تحقيق التوازن، لا يتحقق إلا بالبساطة، الحياة لديه ليست معقدة، فالتعقيد مسار صعب وطويل، نهايته محبطة، هكذا أسس دستوره.

ياسر عمارة رئيس شركة «ايجل للاستشارات المالية».. كل الأشياء العظيمة بسيطة لديه، محدد وواقعى، التفاصيل بمثابة العدو، التى تستغرق جهدا ووقتا فى التفكير، لذا الاهتمام بالخطوط العريضة هو الأساس.

فى قلب القاهرة وعلى بعد أمتار من تمثال طلعت حرب، والميادين الرئيسية الأكثر شهرة وسط العمارة الاوروبية المستمدة من التصميم الفرنسى يقع مكتب الرجل، البساطة والهدوء أول ما يلفت الانتباه عند باب المكتب، وكأن المكان استمد الكثير من سماته.

بلهجة الرجل الصعيدى الطيب استقبلنى بحرارة، بدا على ملامحه الرضا، والتفاؤل والطموح الذى ليس له حدود، ولا سقف، وعلى هذا الأساس يلخص اسم شركته «الصقر الحر».

نعم لا تزال ثمار الإصلاح الاقتصادى غير ملموسة، لكن المؤشرات تشير إلى أن المشهد فى المسار الصحيح، هكذا كانت كلماته عند مدخل غرفة مكتبه البسيط.. جلسنا قال والابتسامة تعلو ملامح وجهه «نحن فى المرحلة الثانية من الإصلاح الاقتصادى، وأوشكت على الانتهاء لنجنى الثمار، صحيح قلبى سقط فى قدمى بعد الإعلان عن قرار تعويم الجنيه، لاعتقادى أن رجل الشارع لن يتحمل الصدمة وتداعياتها، لكن تقبل صدمة هذه الإجراءات العنيفة، وتدفقات الاستثمار الأجنبية والدولار فى صورة أذون خزانة وسندات بدد المخاوف بداخلى».

الاجتهاد والبساطة وجهان لعملة واحدة فى حياة الرجل، استمد من والده النظام، وأن تحقيق المكاسب وقوده الاحترام، عندما اتخذت القرارات الاصلاحية سيطر عليه القلق، لكن مع اليقين أن بعض المعلومات التى اتخذت عليها القرارات غير متوفرة للجميع، اقتنع بسياسة الأمر الواقع، بأن المشهد يسير فى مساره الصحيح، إلا أنه لا يزال مقتنعا أن ارتفاع الدولار أمام العملة الوطنية مبالغ فيه.

أقاطعه قائلا: لكن لا يزال الجدل مثارا بين فرق المراقبين حول التعويم.

يجيبنى قائلا: «هذه مرحلة تم الانتهاء منها، ولا داعى للنظر الى الماضى، لكن الأمر كان سوف يختلف تماما لو حدث التعويم فى يوليو 2016، ووقتها كان الدولار لا يشهد القفزات التى سجلها بصورة مبالغة».

للرجل عقيدة فى الحياة أن كل إنسان خلق لما هو ميسر له، وبالتالى دائم التركيز فى عمله، يحمل رؤية خاصة فى المنح الخليجية تقوم على أنها ذهبت فى مسارها الصحيح، ولولا ذلك لم تكن المشروعات القومية العملاقة التى تخدم الاقتصاد الوطنى، والبنية التحتية الدعامة الرئيسية للمستقبل.

المعرفة والاطلاع أصقلا الرجل بالرؤية الواقعية، لذا حينما تحدث عن السياسة المالية، حدد نقاطا أساسية للحديث، بأن برنامج الاصلاح يعمل على الانخفاض التدريجى فى تضييق فجوة عجز الموازنة، من خلال الضرائب، وهو ما يتطلب أسلوب التنفيذ، والعمل على استقطاب شرائح عريضة من القطاع غير الرسمى، ودمجه فى المنظومة الرسمية، وقتها سوف تتراجع معدلات البطالة، وفى هذا الصدد يتساءل قائلا: «ماذا يضير الدولة اذا قامت بالاتفاق مع المقاهى، بالتيسير لها فى التراخيص والتأمين على العاملين بها، مقابل مبلغ مالى يتم سداده سنويا؟، بالتأكيد سوف يتغير الحال، بمثل هذه الأفكار غير التقليدية».

أسأله لا يزال المراقبون فى اختلاف دائم حول إمكانية التكامل بين السياسة المالية والنقدية؟.

يرد علىّ قائلا: «إن المراقب للمشهد يكتشف تحقيق نظرية التكامل والارتباط بين السياستين، وكلتاهما تعمل على تحقيق دورها، بما يساهم فى تحقيق المصلحة العامة للدولة، لكن على الحكومة أن تنتهج سياسة أكثر مرونة فى عملية رفع الدعم، بحيث يتم بصورة تدريجية، مع ضرورة الاهتمام بملف التنمية فى الصعيد، المفتاح الرئيسى فى التنمية».

للهندسة واقع فى حياته رغم انه لم يقم بدراستها، ولكن استمدها من والده مهندس النقل، ولذلك يعتمد على الواقعية فى ملف الاستثمار، إذ يعتبره أنه مر بعدة مراحل من الاشتراكى إلى الحر، إلى أن تحققت استراتيجية صنع فى مصر مع مطلع تسعينيات القرن الماضى، وتم منح حوافز استثمارية للمستثمرين، حتى قانون سوق المال 95 لسنة 92 والذى شهد انطلاقة قوية للاقتصاد.

توقف الرجل لحظات قبل أن يستكمل حديثه ويبدو أنه عرف ما يدور بداخلى حول قانون الاستثمار الجديد.. فبادرنى قائلا: «القانون الجديد تلافى كل الاخطاء السابقة، وهو يحمل العديد من الحوافز الاستثمارية القادرة على استقطاب المزيد من الاستثمارات».

رغم الصراع الدائم بين فرق المراقبين للاستثمار حول الأهمية الأولى لبيئة الاستثمار أو القانون، إلا ان «عمارة» له رؤية خاصة فى هذا المشهد، حيث يعتبر أن التكامل بين بيئة الاستثمار والقانون، أمر ضروري، حيث إن البيئة تساعد على الجذب الاستثمارى، والقانون يعمل على إتاحة التخارج والدخول إلى السوق، دون معوقات.

الغيرة على عمله تمنح الرجل الاجتهاد والجهد، لذا يعتبر أن التنمية فى الصعيد لن تتحقق دون دراسة ثقافة أبناء الجنوب، ودراسة عاداتهم وتقاليدهم، ويتم التعامل على هذا الأساس، أما غير ذلك فلن تتحقق التنمية.

القطاع العقارى وتكنولوجيا المعلومات، والبنوك.. ثالوث التنمية الحقيقية للاقتصاد، فلا تزال أسعار الأراضى منخفضة، إذا ما تمت مقارنتها بدول أخرى، وكذلك باتت الاقتصاديات المتقدمة تقوم على تكنولوجيا المعلومات والبنوك وهى من القطاعات المطلوب الاهتمام بها فى المرحلة القادمة.

الإرادة أداة لا تغيب عن شخصيته حتى لو واجهه عدم التوفيق، يبحث دائما عن الابتكار المتوافر لدى القطاع الخاص، الذى يحتاج الى انطلاقة باعتباره المساهم الرئيسى فى النمو الاقتصادى، وبدأ يتكشف ذلك من خلال حصص الشركات الحكومية المزمع طرحها بالبورصة، والتوسع فى قاعدة ملكيتها سواء للأفراد او القطاع الخاص، لكن الامر يتطلب العمل على تجهيز البورصة وبعض المحفزات القادرة على تحقيق النجاح فى هذا الملف سواء بسعر الطرح المناسب أو التوقيت والترويج الكافى، وفى ظل السيولة المتوافرة فى السوق بات الوقت مناسبا.

للرجل آراء صريحة فى ملف ادارة البورصة، ويعتبر أنها حققت نجاحا على المستوى الدولى إلا أنها لم تكن بنفس الاداء محليا، وكذلك بورصة النيل التى تتطلب المزيد من العمل، حتى يصل المستثمر معها الى مرحلة الرضا، بالسعى على دعم السوق، واستقطاب المزيد من الشركات، من خلال تبسيط إجراءات القيد، وإلزام بنوك الاستثمار والشركات بتقديم الاستشارات، بل تخصص حصص لصناديقهم بالاستثمار فى هذا القطاع.

المغامرة من سمات شخصية «عمارة»، عشقه للإبداع والابتكار والتفكير خارج الصندوق، دفعه الى ان يتخلى عن عمله المصرفى بحثا عن الجديد، الذى يناسب إمكانياته، وكان له ما أراد عندما أسس شركته الأولى فى مجال الاستشارات المالية بالأوراق المالية برأسمال 250 ألف جنيه، وفى زمن قياسى نجح فى تحديد استراتيجيته التى تقوم على التواجد والدخول فى السوق، وهو ما تحقق، ثم تقديم الاستشارات للعديد من الشركات الحكومية والخاصة على حد سواء، وإن كانت تداعيات الثورة والسوق ساهمت فى تأخير الوصول إلى أبعد طموحاته.

كل مرحلة فى مشوار حياته تحمل المعاناة والنجاح، ولكل منها تفاصيل يتذكرها لتمنحه صلابة على مواصلة طموحه ليكون فى المستقبل كيانا ماليا كبيرا، يستهدف 10 شركات لطرحها فى بورصة النيل فى قطاعات متعددة قبل أن يسدل 2017 الستار، كما نجح فى تجهيز5 شركات للطرح برأسمال يبلغ نحو80 مليون جنيه.

لا ينسى الرجل كل من قدم له يد العون، وكأن له الأثر الأكبر فى شخصه، خاصة زوجته التى تحملت الجزء الأكبر من مشوار الحياة معه ووقفت بجواره كتفا بكتف، يشعر بالرضا بما حققه من استراتيجية للشركة وصلت الى 80%، شغوف بقراءة الفلسفة والتاريخ، محب للموسيقى الهادئة، عاشق للرياضة التى تمنحه الثقة، ملهم بالألوان البيضاء التى تحمل النقاء والخضراء التى توحى بالنمو.. لكن يظل شغله الشاغل الوصول بشركة التى تحمل معنى الصقر الحر إلى الريادة فهل يحقق ذلك؟.

جريدة الوفد(المصدر)